ابن رشد

43

تهافت التهافت

على الأشياء ، أو مع الأشياء ، على ما يرى ذلك قوم . فهي ضرورة بعدد الأشياء . فإن كان يستحيل قبل وجود الدورة الحاضرة ، وجود دورات لا نهاية لها يستحيل وجود إمكانات دورات لا نهاية لها . إلا أن لقائل أن يقول : إن الزمان محدود المقدار ، أعني زمان العالم ، فليس يمكن وجود زمان أكبر منه ، ولا أصغر ، كما يقول قوم في مقدار العالم . وكذلك ، أمثال هذه الأقاويل ليست برهانية ، ولكن كان الأحفظ لمن يضع العالم محدثا أن يضع الزمان محدود المقدار ، ولا يضع الإمكان متقدما على الممكن ، وأن يضع العظم كذلك متناهيا ، لكن العظم له كل ، والزمان ليس له كل . قال أبو حامد حاكيا عن الفلاسفة ، لما أنكروا على خصومهم أن يكون من المعارف الأولى تراخي فعل القديم عن القديم بنوع من الاستدلال لهم على هذه القضية . فإن قيل : فبم تنكرون على من يترك دعوى الضرورة ، ويدل عليه من وجه آخر . إلى قوله : وإلا فلا يتصور تمييز الشيء عن مثله بحال . حاصل ما حكى هو عن الفلاسفة في هذا الفصل ، في الاستدلال على أنه لا يمكن أن يوجد حادث عن فاعل أزلي : أنه ليس يمكن أن يكون هنالك إرادة . وهذا العناد إنما تأتى لهم ( الفلاسفة ) بأن قبلوا من خصومهم أن المتقابلات كلها متماثلة بالإضافة إلى الإرادة القديمة . ما كان منها في الزمان ، مثل المتقدم والمتأخر . وما كان منها موجودا في الكيفية المتضادة ، مثل البياض والسواد . وكذلك العدم والوجود هما عندهم متماثلان بالإضافة إلى الإرادة الأزلية . فلما تسلموا هذه المقدمة من خصومهم ، وإن كانوا لا يعترفون بها قالوا لهم : إن من شأن الإرادة أن لا ترجح فعل أحد المثلين على الثاني إلا بمخصص وعلة توجد في أحد المثلين ، ولا توجد في الثاني ، وإلا وقع أحد المثلين عنها بالاتفاق . فكأن الفلاسفة سلموا لهم في هذا القول أنه لو وجد للأزلي إرادة ، لأمكن أن يصدر حادث عن قديم . فلما عجز المتكلمون عن الجواب ، لجئوا إلى أن قالوا : إن الإرادة القديمة صفة من شأنها أن تميز الشيء عن مثله من غير أن يكون هنالك مخصص يرجح فعل أحد المثلين على صاحبه . كما أن الحرارة صفة من شأنها أن تسخن . والعلم صفة من شأنها أن